عبد الفتاح عبد الغني القاضي

35

الوافي في شرح الشاطبية

باللّه من الشيطان الرجيم » . وهذان الحديثان ضعيفان ، قال أبو شامة : والأول لا أصل له في كتب الحديث ، والثاني أخرجه أبو داود ولكن بغير هذه العبارة . وليس أدل على ضعف الحديثين من ورود أحاديث أخر أصح سندا منهما تعارضهما : منها : ما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري : قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا قام من الليل يقول « أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه » ، قال الترمذي : هو أشهر حديث في هذا الباب . وفي صحيح ابن خزيمة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه كان يقول : « اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم ، وهمزه ونفخه ونفثه » . وقد أشار الناظم إلى ضعف الحديثين السابقين وأمثالهما بقوله : ولو صح هذا النقل لم يبق مجملا ؛ والمراد بالإجمال : الإطلاق ، أي لو صحّ نقل ترك الزيادة لذهب إجمال الآية ، واتضح معناها وتعين لفظها ، فلا يجوز العدول عنه . المعنى : لو كانت الأحاديث الدالة على ترك الزيادة على آية النحل ثابتة صحيحة السند لم تبق إجمالا في الآية ، بل تكون الآية حينئذ واضحة المعنى ، بينة المراد متعينا لفظها عند التعوذ فيقال : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، بلا زيادة عليه أو نقص عنه ، ولكن هذه الأحاديث الدالة على ترك الزيادة ضعيفة معارضة بأصح منها سندا ، فحينئذ تبقى الآية على إجمالها وإطلاقها فلا يتقيد القارئ بلفظها ، بل يجوز له النقص عنه بأن يقول : أعوذ باللّه من الشيطان ، والزيادة عليه بأن يقول : أعوذ باللّه العظيم من الشيطان الرجيم ، أو نحو ذلك ، ويعتبر القارئ عندئذ ممتثلا للأمر في الآية الكريمة سواء نقص عنها لفظا أو زاد عليها لفظا ، أو اثنين ، أو ثلاثة ، ومما ينبغي التنبه له : أن الأمر في الآية الكريمة للندب على ما ذهب إليه جماهير العلماء من السلف والخلف . 98 - وفيه مقال في الأصول فروعه * فلا تعد منها باسقا ومظلّلا اللغة : ضمير ( فيه ) : يعود على التعوذ . و ( مقال ) : مصدر ميمي ، والمراد به القول . و ( الفروع ) : جمع فرع وهو الغصن . و ( الباسق ) : الشجر الطويل المرتفع . و ( المظلل ) : ما له ظل لكثرة ورقه . والمعنى : أن في التعوذ قولا كثيرا ، وكلاما طويل الذيل ، ممتد النسق ، انتشرت فروعه في أصول الفقه ، وأصول الحديث ، وأصول القراءات . فأما أصول الفقه : فيبحث فيها عن التعوذ من حيث إن الأمر به في الآية ؛ هل هو للوجوب أو للندب ؟ وهل الآية واضحة الدلالة فيتعين لفظها أم مجملة فيصلح كل لفظ يدل على التعوذ ؟ . وأما أصول الحديث : فيبحث فيها عن درجة الأحاديث الدالة على التعوذ وعن سندها وحال رواتها . وأما أصول القراءات - والمراد بها أمهات الكتب المؤلفة في هذا الشأن ك « الكامل » للإمام الهذلي ، و « الإيضاح » للأهوازي ، و « جامع البيان » للداني - فيبحث فيها عن التعوذ من حيث الجهر به والإخفاء ، ومن حيث الوقف عليه أو وصله بما بعده . وقوله : فلا تعد منها باسقا ومظللا ، معناه : فارجع إلى هذه الأصول وأمعن النظر فيها ولا تتجاوز منها القول الذي